النويري

43

نهاية الأرب في فنون الأدب

ووصل الميدان الأخضر وقد أذاق العدوّ الأزرق الموت الأحمر ، في يوم السعد الأبيض ، بعلم النصر الأصفر - إلى القصر الأبلق ، وقد طلع شمسا في سماء الملك أنار به أفق الآفاق وأشرق ، ففخر القصر بحلوله فيه ، وقال : هذا اليوم الذي كنت أرتجيه ، وهذا الوقت الذي ما برحت تبشّرنى به [ 43 ] نسمات البكر والأصائل . لأنها تمرّ لطيفة ، فأعلم أن معها منه - خلَّد الله ملكه - رسائل ، وهذا الملك الذي أعرف فيه من الله شمائل ؛ فغبطته القلعة المنصورة ، وسألته [ 1 ] أن لا تبقى بغير الجسد محسورة [ 2 ] ، وفاخرت القصر بمالها من محاسن ، وما شرفت به من إشراف على أنضر الأماكن ، وامتازت به من حصانتها الذي ما امتطى سواه ذروتها ، ولا علا غيره - خلَّد الله ملكه - صهوتها ، فأراد أن يعظم لقلعته الشأن - فحلّ بها مرة ثم بتلك أخرى ، وطاب بحلوله الواديان . ثم أذهب عن أوليائه وجيوشه مشقة التعب ، ببذل الذهب ، وأنسى بمكارمه حاتم طيئ ، فلو عاش لا ستجدى ممّا وهب ، وأمر بعود نوّاب ممالكه إلى أماكنهم المحروسة ، وقال : قد خلت ربوعكم هذه المدّة . وحيث حللنا بالبلاد نبتغي أن تكون مأنوسة ، فتضاعف الشكر على إتمام هذه النعمة ، وابتهلت الألسن بالمحامد ، وكيف لا وقد طلع صبح النصر فجلَّى ليل تلك الغمة ، وشكر الناس منّة الله التي أعادت إليهم بالأمن الوسن [ 3 ] ، * ( وقالُوا الْحَمْدُ لِلَّه الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ [ 4 ] ) * وأقام بدمشق [ 44 ] المحروسة يتبوّأ منها أحسن الغرفات ، واستقر من بقاعها [ 5 ] في جنّات ، فحييت به بعد الممات ، وعادت بمقدمه إلى جسدها الروح بعد المفارقة ، وتمتعت مقلتها من محاسنه بأبهى من رياضها الرائقة ، وهو يحمى حماها ، ويحلى مواطن ملكها الزواهر رباها ، ويزيّنها بمواكبه التي ماثلت الكواكب في سنائها وسناها ، وتطأ سنابك جياده أرضها فيدانى الثريا في الافتخار ثراها ، إلى أن قضى شهر صيامه

--> [ 1 ] كذا في ص ، وف . وفى السلوك 1 : 1035 « وسألت » . [ 2 ] في ص وف « محصورة » ونقل الصواب ما أثبته . [ 3 ] الوسن : الحاجة والوطر ، النوم والنعاس ( لسان العرب ) . [ 4 ] سورة فاطر آية 34 . [ 5 ] كذا في ص ، وف . في السلوك 1 : 1035 « ويستقر من بقعتها » .